جلال الدين السيوطي

49

التحبير في علم التفسير

قلت : الذي قاله الرّافعيّ في غاية الاتجاه ، وهو الذي كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه والتأويل الأخير أصحّ من الأول ، لأن قوله : أنزل عليّ آنفا يدفع كونها نزلت قبل ذلك ، بل نقول : نزلت في تلك الحالة وليست الإغفاءة إغفاءة نوم ، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي ، فقد ذكر العلماء أنّه كان يؤخذ عن الدّنيا . النوع الحادي عشر : أسباب النّزول وهو نوع مهم محتاج إليه وصنّف النّاس فيه مصنّفات ، ومن أحسنها كتاب الواحدي ، ثم شيخ الإسلام حافظ العصر أبي الفضل بن حجر ، وما كان منه عن صحابي فهو مسند مرفوع ، إذ قول الصحابي فيما لا دخل فيه للاجتهاد مرفوع ، أو تابعيّ فمرسل ، وشرط قبولهما صحّة السند ، ويزيد الثاني أن يكون راويه معروفا بأن لا يروي إلّا عن الصحابة ، أو ورد له شاهد مرسل أو متّصل ولو ضعيفا ، وإذا تعارض فيه حديثان فإن أمكن الجمع بينهما فذاك كآية اللّعان ، ففي الصّحيح عن سهل بن سعد السّاعديّ أنها نزلت في قصة عويمر العجلاني وفيه أيضا أنها نزلت في قصة هلال بن أميّة ، فيمكن أنها نزلت في حقهما أي بعد سؤال كل منهما فيجمع بهذا ، وإن لم يمكن قدّم ما كان سنده صحيحا أو له مرجّح ككون راويه صاحب الواقعة التي نزلت فيها الآية ونحو ذلك ، فإن استويا فهل يحمل على النّزول مرّتين أو يكون مضطربا يقتضي طرح كل منهما ؟ عندي فيه احتمالان وفي الحديث ما يشبهه ، وربما كان في إحدى القصتين فتلا فوهم الرّاوي فقال : فنزل كما تقدّم في آية الزّمر ، والبارع النّاقد يفحص عن ذلك ، وأمثلة هذا النّوع تستقرأ من الكتب المصنّفة فيه وذكر منها كثير في هذا الكتاب في الأنواع السابقة والتي ستأتي . ثم منها المشهور وهو قسمان : صحيح كقصة الإفك وآية السّعي والتّيمم والعزنيين وموافقات عمر ، وضعيف كآية : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ ( 4 ) النساء : 58 ] ، وقد اشتهر أنها نزلت في شأن مفتاح الكعبة ، وأسانيد ذلك بعضها ضعيف ، وبعضها منقطع ، ومنها الغريب وهو أيضا قسمان : صحيح وضعيف ، واللّه أعلم ، وهذا الفصل مما حررته واستخرجته من قواعد الحديث ولم أسبق إليه وباللّه التوفيق . النّوع الثّاني والثّالث عشر : أول ما نزل وآخر ما نزل اختلف في الأول ، فالأصحّ أنه : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ وقيل : الْمُدَّثِّرُ ، وقيل : الفاتحة . حجّة الأوّل : حديث ابن عباس السابق في المكّيّ والمدنيّ ، وحديث عائشة أنها قالت : أوّل ما نزل من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ رواه في المستدرك .